الجمعة، 10 فبراير 2017

سورة النباء الدرس الثامن

 قال تعالى

{وجعلنا النهار معاشاً} أي معاشاً يعيش الناس فيه في طلب الرزق على حسب درجاتهم وعلى حسب أحوالهم، وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى على العباد. {وبنينا فوقكم سبعاً شداداً} وهي السماوات السبع، وصفها الله تعالى بالشداد لأنها قوية كما قال تعالى: {والسماء بنيناها بأيدٍ وإنا لموسعون} [الذاريات: 47] . أي بنيناها بقوة. {وجعلنا سراجاً وهَّاجاً} يعني بذلك الشمس فهي سراج مضيء، وهي أيضاً ذات حرارة عظيمة. {وهاجاً} أي وقَّادة، وحرارتها في أيام الصيف حرارة شديدة مع بعدها الساحق عن الأرض، فما ظنك بما يقرب منها، ثم إنها تكون في أيام الحر في شدة حرها من فيح جهنم، (1) كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم» . وقال عليه الصلاة والسلام: «اشتكت النار إلى الله فقالت: يا رب، أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفسين، نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فأشد ما تجدون من البرد من زمهرير جهنم، وأشد ما يكون من الحر من فيح جهنم» (2) .
ومع ذلك فإن فيها مصلحة عظيمة للخلق فهي توفر على الخلق أموالاً عظيمة في وقت النهار حيث يستغني الناس بها عن إيقاد الأنوار، وكذلك الطاقة التي تستخرج منها تكون فيها فوائد كثيرة، وكذلك إنضاج الثمار وغير هذا من الفوائد العديدة من هذا السراج الذي جعله الله عز وجل لعباده.

ولما ذكر السراج الوهاج الذي به الحرارة واليبوسة ذكر ما يقابل ذلك فقال: {وأنزلنا من المعصرات ماءً ثجَّاجاً} والماء فيه رطوبة وفيه برودة، وهذا الماء أيضاً تنبت به الأرض وتحيا به، فإذا انضاف ماء السماء إلى حرارة الشمس حصل في هذا إنضاج للثمار ونمو لها على أكمل ما يكون. {وأنزلنا من المعصرات} يعني من السحاب، ووصفها الله بأنها معصرات كأنما تعصر هذا المطر عند نزوله عصراً، كما يعصر الثوب، فإن هذا الماء يتخلل هذا السحاب ويخرج منه كما يخرج الماء من الثوب المعصور، وقوله: {ماء ثجَّاجاً} أي كثير لثج يعني الإنهمار والتدفق وذلك لغزارته وقوته حتى يروي الأرض. {لنخرج به} أي لنخرج بهذا الماء الذي أنزل من السماء إلى الأرض {حبًّا ونباتاً} فتنبت الأرض ويخرج الله به من الحب بجميع أصنافه وأنواعه البر والشعير والذرة وغيرها. والنبات من الثمار كالتين والعنب وما أشبه ذلك {وجنات ألفافا} أي بساتين ملتفاً بعضها إلى بعض، من كثرتها وحسنها وبهائها حتى إنها لتستر من فيها لكثرتها، والتفاف بعضها إلى بعض، وهي الأشجار التي لها ساق، فيخرج من هذا الماء الثجاج الزروع والنخيل والأعناب وغيرها سواء خرج منه مباشرة أو خرج منه بواسطة استخراج الماء من باطن الأرض؛ لأن الماء الذي في باطن الأرض هو من المطر كما قال تعالى: {فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين} [الحجر: 22] . وقال تعالى في آية أخرى: {فسلكه ينابيع في الأرض} . [الزمر: 21] .

تفسير جزء عم ص 27/28 ابن عثيمين رحمه الله