من أروع وأجمل خطب فضيلة الشيخ محمد بن حزام حفظه الله خطبة جمعة مفرغة بعنوان "اتقاء الله في المال"
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين أما بعد:
فيسرنا أن نقدم لكم خطبة مفرغة لفضيلة الشيخ العلامة محمد بن علي بن حزام البعداني حفظه الله تعالى بعنوان "اتقاء الله في المال" وهي من الخطب المهمة في هذا الوقت المليء بالفتن وخاصة فتنة الدنيا وإقبال الناس الكلي عليها، بحيث جعلوا الدين تبع للدنيا فقدموها على الدين إلا من رحم ربك وما اقلهم، فنصح الشيخ وفقه الله في هذه الخطبة المفيدة الطيبة نصح للمسلمين وبيَّن بالأدلة التي ستراها ان شاء الله أثناء قراءتها أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يخشى على المسلمين الفقر بل بالعكس إنما خشي علينا الغنى وطغيان المادة وحذرنا عليه الصلاة والسلام أن تبسط علينا الدنيا، وبيَّن الشيخ حفظه الله أن التنافس في الدنيا والأموال هو سبب الهلاك إلى آخر كلامه المفيد، وما جعلني أنقلها لكم هو أننا نعايش هذه الأيام مأساة تمر بها بلاد اليمن والكثير جدا من الناس يشتكي قلة ذات اليد وكثرة الديون وقلة الدخل بل انعدامه عند من فقدوا أعمالهم إلى آخر ما يعانيه أبناء المسلمين في ظل الحروب فأحببت أن اضع هذه الخطبة المميزة بين يدي القارئ الكريم تسلية للنفوس وتصبيرا لها على ما نمر به من الظروف والحمد لله من قبل ومن بعد، وللتنبيه فإن ما كُتبَ بين معكوفين هكذا [] هو من كلام المفرِّغ للخطبة، وهاك ما قاله الشيخ ابن حزام في خطبته حيث قال حفظه الله ورعاه وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرا:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين أما بعد:
فيسرنا أن نقدم لكم خطبة مفرغة لفضيلة الشيخ العلامة محمد بن علي بن حزام البعداني حفظه الله تعالى بعنوان "اتقاء الله في المال" وهي من الخطب المهمة في هذا الوقت المليء بالفتن وخاصة فتنة الدنيا وإقبال الناس الكلي عليها، بحيث جعلوا الدين تبع للدنيا فقدموها على الدين إلا من رحم ربك وما اقلهم، فنصح الشيخ وفقه الله في هذه الخطبة المفيدة الطيبة نصح للمسلمين وبيَّن بالأدلة التي ستراها ان شاء الله أثناء قراءتها أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يخشى على المسلمين الفقر بل بالعكس إنما خشي علينا الغنى وطغيان المادة وحذرنا عليه الصلاة والسلام أن تبسط علينا الدنيا، وبيَّن الشيخ حفظه الله أن التنافس في الدنيا والأموال هو سبب الهلاك إلى آخر كلامه المفيد، وما جعلني أنقلها لكم هو أننا نعايش هذه الأيام مأساة تمر بها بلاد اليمن والكثير جدا من الناس يشتكي قلة ذات اليد وكثرة الديون وقلة الدخل بل انعدامه عند من فقدوا أعمالهم إلى آخر ما يعانيه أبناء المسلمين في ظل الحروب فأحببت أن اضع هذه الخطبة المميزة بين يدي القارئ الكريم تسلية للنفوس وتصبيرا لها على ما نمر به من الظروف والحمد لله من قبل ومن بعد، وللتنبيه فإن ما كُتبَ بين معكوفين هكذا [] هو من كلام المفرِّغ للخطبة، وهاك ما قاله الشيخ ابن حزام في خطبته حيث قال حفظه الله ورعاه وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرا:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} .
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} أما بعد:
عباد الله بعث الله عز وجل إلينا نبينا محمدا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم رحمة لنا، بعثه إلينا فزكى نفوسنا بطاعة الله وبتوحيد الله جل وعلا، يقول الله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ } سورة آل عمران: [164]، فاعلم واستيقن يا عبد الله أنه ما من شيء حثنا عليه نبينا عليه الصلاة والسلام إلا كان خيرا لنا وما من شيء حذرنا منه عليه الصلاة والسلام عليك أيها المسلم أن تبتعد عنه وأن تحذر على نفسك مما حذرك منه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، ثم أذكركم معشر المسلمين بتحذير من تحذيرات نبينا عليه الصلاة والسلام، فقد ثبت في الصحيحين من حديث عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ وَهُوَ حَلِيفُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الْأَنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَوَافَوْا صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَآهُمْ، ثُمَّ قَالَ: «أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ؟» فَقَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَ اللهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» [أخرجه البخاري رقم (6425)، ومسلم رقم (2961)]، فالتنافس في الدنيا والأموال هو سبب الهلاك يا عباد الله هذا نبينا عليه الصلاة والسلام الحريص على أمته يحذرنا غاية التحذير من أن تبسط علينا الدنيا فنتنافس فيها، وروى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قَالَ: جَلَسَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، فَقَالَ: «إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي، مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا» [البخاري رقم (921) و (1465)، ومسلم (1052) وهذا لفظه وبقية الحديث: فَقَالَ رَجُلٌ: أَوَ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقِيلَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ؟ تُكَلِّمُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يُكَلِّمُكَ؟ قَالَ: وَرَأَيْنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، فَأَفَاقَ يَمْسَحُ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ، وَقَالَ: «إِنَّ هَذَا السَّائِلَ» - وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ - فَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ، إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ، فَإِنَّهَا أَكَلَتْ، حَتَّى إِذَا امْتَلَأَتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ فَثَلَطَتْ، وَبَالَتْ، ثُمَّ رَتَعَتْ وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ، وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ هُوَ لِمَنْ أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ، وَالْيَتِيمَ، وَابْنَ السَّبِيلَ - أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»]، هذا تحذير من النبي عليه الصلاة والسلام، لم يخشى عليه الصلاة والسلام علينا الفقر ولم يخشى علينا الجوع ولا العُري ولم يخشى علينا أمور كثيرة كما خشي على الناس أن تبسط عليهم الدنيا فيتنافسوا فيها فيهلكوا كما هلكت الأمم من قبلهم، وفتنة هذه الأمة في المال حتى يحذر المسلمون من هذه الفتنة العظيمة، «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً وَفِتْنَةُ أُمَّتِي المَالُ»، وهي والله فتنة كثير من الأمم ولكن خص النبي صلى الله عليه وسلم أمته بهذه الفتنة لكثرة من يفتتن بها من المسلمين بل وغيرهم فليحذر الإنسان على نفسه من هذه الفتنة العظيمة، والنبي صلى الله عليه وآله وصحبه سلم حين حذرنا من هذه الفتنة حثنا أيضا على العفاف وعلى أن نستغني بالله ونستعف بالله فقد ثبت في الصحيحين من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ نَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا عِنْدَهُ قَالَ: «مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَصْبِرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ» [البخاري رقم (1469)، ومسلم رقم (1053)]، فحث أصحابه على الإستعفاف وعلى الإستغناء بالله سبحانه وتعالى، روى الشيخان من حديث أنس بن مالك وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما قالا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيَانِ، وَلَنْ يَمْلَأَ فَاهُ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ» [البخاري رقم (6439) وهذا لفظه ومسلم رقم (2417)، وأحمد رقم (13476) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. والبخاري رقم (6436)، ومسلم رقم (2418)، وأحمد رقم (3501) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما]، فكثير من النفوس جُبلت على حب المال وهذا خُلقٌ خَلق اللهُ عليه الناس، يحبون المال، ولكن التقي من روضَّ نفسه على طاعة الله سبحانه وتعالى، والمصلح والفائز من جعل المال سبيلا لطاعة ربه سبحانه وتعالى، روى الإمام الترمذي رحمه الله من حديث أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ» [سنن الترمذي رقم (2417)] حديث حسن، فهذ الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: "لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ"، فليحرص المسلم على نفسه في كسب المال فلا يكتسب إلا من الطيبات، وليحرص على انفاقه في وجوه الخير وفيما شرعه الله سبحانه وتعالى، فيا أيها المسلم ينبغي عليك أن تكون في الذروة العليا ممن أراد الله لهم الخير، والناس أصناف منهم من اكتسب الحلال الطيب وانفقه في وجوه الخير وفيما اباحه الله وفيما أمره الله، ومنهم من اكتسب الحرام وانفقه في الحرام، ومنهم من اكتسب الحرام وانفقه في الحلال، أيها المسلم كن من الصنف الأول الذي يحرص على الكسب الطيب ممتثلا قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } [سورة المؤمنون: (51)]، وممتثلا قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [سورة البقرة: (172)]، فليحرص المسلم على كسب خير يكتسبه مما أباحه الله سبحانه وتعالى، روى الإمام البخاري في صحيحيه من حديث أبي هريرة رضي اللهُ عنهُ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما بَعَثَ الله نبياً إلاَّ رَعَى الغَنَمَ". فقالَ أصحابُهُ: وأنتَ؟ فقال: "نَعَمْ، كُنْتُ أرعاها على قَراريطَ لأهلِ مكَّةَ" [البخاري برقم (2262)]، وفي البخاري [رقم (2073) من صحيحه] عن أبي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، كَانَ لاَ يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ»، وروى الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " كَانَ زَكَرِيَّا نَجَّارًا " [أخرجه مسلم رقم (2379) (169)، وأحمد رقم (7947)، وابن ماجه رقم (2150)]، وهكذا نبينا عليه الصلاة والسلام أشتغل في التجارة قبل البعثة وهكذا أبو بكر الصديق أشتغلَ في التجارة، وهكذا تاجر [أيها المسلم] واكتسب من الحلال الطيب تاجر أو ازرع ما يسره الله من الزرع، فقد قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ، أَوْ إِنْسَانٌ، أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» [متفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه؛ البخاري رقم (2320)، ومسلم رقم (1553)]، فهذه من وجوه الاكساب التي حث عليها نبينا عليه الصلاة والسلام، وقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَذْهَبَ إِلَى الْجَبَلِ، فَيَحْتَطِبَ، ثُمَّ يَأْتِيَ بِهِ يَحْمِلُهُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهُ فَيَأْكُلَ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ، وَلَأَنْ يَأْخُذَ تُرَابًا فَيَجْعَلَهُ فِي فِيهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ فِي فِيهِ مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ " [من حديث أبي هريرة رضي الله عنه كما في مسند أحمد رقم (7490) و قال المناوي في فيض القدير: مقصود الحديث الآمر بتحرِّي أكل الحلال ولو كان خبزا من شعير بغير إدام، وذكر التراب مبالغة، فإنه لا يؤكل، وأما أكل الحرام، فيظلم القلب، ويغضب الرب. أنتهى]، فليحرص المسلم على أن يكتسب الحلال الطيب حتى يصير مجاب الدعوة، ولا يكن همه اكتساب المال [لا يدري أهو ] من حلال أم من حرام، ربما أخذه من الربا وقد الله الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ } [البقرة: (178-279)]، وربما أخذ المال فر الرشوة وقد قال رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَعَنَ اللهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ" [أخرجه بهذا اللفظ عبد الرزاق في مصنفه من حديث شريح برقم (14668)، وأخرجه أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه برقم (9023) بلفظ : " لَعَنَ اللهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ فِي الْحُكْمِ " فهو من حديث شريح وأبي هريرة رضي الله عنهما، وزيادة "في الحكم" في حديث أبي هريرة فقط]، وربما أخذه بشهادة الزور، وقد قال رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ» قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: " الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ " فَمَا زَالَ يَقُولُهَا، حَتَّى قُلْتُ: لاَ يَسْكُتُ. [متفق عليه من حديث أبي بكرة رضي الله عنه؛ البخاري رقم (5976) وهذا لفظه، ومسلم رقم (87)]، وربما أكتسبها أيضا من بعض المحرمات كتصاوير الأرواح أو بيع ما حرم الله من الخمور ولحم الخنزير أو كذلك الدخان وغير ذلك مما حرمه الله، اكساب محرمه لا ينتفع بها المسلم، بل يأكل الحرام والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ، إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ النَّارُ، أَوْلَى بِهِ" [جزء من حديث أخرجه أحمد في مسنده رقم (14441) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما]، فاحذر على نفسك من الاكساب المحرمة الخبيثة، واطب مكسبك يا عبد الله ولا تأخذ مالا إلا من الوجه الحلال، لا تأخذ مالا حرمه الله سبحانه وتعالى سواء كان كسبا محرما أو كان اعتداء على أموال المسلمين بظلم أو سرقة أو أكل مال اليتامى والضعفاء فكل ذلك مما حرمه الله تعالى، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} [سورة النساء: (29)]. ، {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً } [سورة النساء: (10)]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث عائشة وابن عمر وسعيد بن زيد رضي الله عنهم قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ، إِلَّا طَوَّقَهُ اللهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [في البخاري برقم (2454) وأحمد برقم (5740) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وفي مسلم برقم (1610) وأحمد برقم (1633) من حديث سعيد بن زيد بن عمرِو بنِ نُفيْل رضي الله عنه، وفي مسلم برقم (1611) وأحمد برقم (9582) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها متفق عليه عند البخاري رقم (2453)، ومسلم رقم (1612) ولفظه: «مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» ، وعند أحمد رقم (26224) بلفظ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ ظَلَمَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ ".]، فعلى المسلم أن يحرص على أخذ المال من الحلال وليحذر على نفسه من الاكساب المحرمة الخبيثة، وربما جرِّت الدناءة ببعض الناس إلى أن يكتسب بالمسألة والشحاتة ويسأل الناس أموالهم وقد قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ» [متفق عليه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ البخاري رقم (1474) وهذا لفظه، ومسلم رقم (1040)]، وقال رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» [صحيح مسلم رقم (1041) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]، وقد بين العلماء أن المسألة لا تجوز لأحد حتى يصل إلى حد عظيم وإلى حالة شديدة لا يجد قوتا لعياله ولا يستطيع أن يتكسب، أما إذا كان عنده قوة وقدرة على الكسب فلا يحل له أن يسأل الناس شيئا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ سَأَلَ مِنْ غَيْرِ فَقْرٍ، فَكَأَنَّمَا يَأْكُلُ الْجَمْرَ» [هو بهذا اللفظ عند أحمد برقم (17508) من حديث حُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ السَّلُولِيِّ، وهو في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين برقم (288) للإمام المجدد شيخ الإسلام مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى.]، فاحرص أيها المسلم على أن تكسب مالا حلالا ليس فيه شبهة، والحمد لله رب العالمين.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} .
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} أما بعد:
عباد الله بعث الله عز وجل إلينا نبينا محمدا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم رحمة لنا، بعثه إلينا فزكى نفوسنا بطاعة الله وبتوحيد الله جل وعلا، يقول الله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ } سورة آل عمران: [164]، فاعلم واستيقن يا عبد الله أنه ما من شيء حثنا عليه نبينا عليه الصلاة والسلام إلا كان خيرا لنا وما من شيء حذرنا منه عليه الصلاة والسلام عليك أيها المسلم أن تبتعد عنه وأن تحذر على نفسك مما حذرك منه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، ثم أذكركم معشر المسلمين بتحذير من تحذيرات نبينا عليه الصلاة والسلام، فقد ثبت في الصحيحين من حديث عَمْرَو بْنَ عَوْفٍ وَهُوَ حَلِيفُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ، يَأْتِي بِجِزْيَتِهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيِّ، فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَسَمِعَتِ الْأَنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِي عُبَيْدَةَ، فَوَافَوْا صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ، فَتَعَرَّضُوا لَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَآهُمْ، ثُمَّ قَالَ: «أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ؟» فَقَالُوا: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ، فَوَ اللهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» [أخرجه البخاري رقم (6425)، ومسلم رقم (2961)]، فالتنافس في الدنيا والأموال هو سبب الهلاك يا عباد الله هذا نبينا عليه الصلاة والسلام الحريص على أمته يحذرنا غاية التحذير من أن تبسط علينا الدنيا فنتنافس فيها، وروى الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قَالَ: جَلَسَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، فَقَالَ: «إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي، مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا» [البخاري رقم (921) و (1465)، ومسلم (1052) وهذا لفظه وبقية الحديث: فَقَالَ رَجُلٌ: أَوَ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقِيلَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ؟ تُكَلِّمُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يُكَلِّمُكَ؟ قَالَ: وَرَأَيْنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، فَأَفَاقَ يَمْسَحُ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ، وَقَالَ: «إِنَّ هَذَا السَّائِلَ» - وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ - فَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ، إِلَّا آكِلَةَ الْخَضِرِ، فَإِنَّهَا أَكَلَتْ، حَتَّى إِذَا امْتَلَأَتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ فَثَلَطَتْ، وَبَالَتْ، ثُمَّ رَتَعَتْ وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ، وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ هُوَ لِمَنْ أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ، وَالْيَتِيمَ، وَابْنَ السَّبِيلَ - أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»]، هذا تحذير من النبي عليه الصلاة والسلام، لم يخشى عليه الصلاة والسلام علينا الفقر ولم يخشى علينا الجوع ولا العُري ولم يخشى علينا أمور كثيرة كما خشي على الناس أن تبسط عليهم الدنيا فيتنافسوا فيها فيهلكوا كما هلكت الأمم من قبلهم، وفتنة هذه الأمة في المال حتى يحذر المسلمون من هذه الفتنة العظيمة، «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً وَفِتْنَةُ أُمَّتِي المَالُ»، وهي والله فتنة كثير من الأمم ولكن خص النبي صلى الله عليه وسلم أمته بهذه الفتنة لكثرة من يفتتن بها من المسلمين بل وغيرهم فليحذر الإنسان على نفسه من هذه الفتنة العظيمة، والنبي صلى الله عليه وآله وصحبه سلم حين حذرنا من هذه الفتنة حثنا أيضا على العفاف وعلى أن نستغني بالله ونستعف بالله فقد ثبت في الصحيحين من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ نَاسًا مِنَ الْأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا عِنْدَهُ قَالَ: «مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَصْبِرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ» [البخاري رقم (1469)، ومسلم رقم (1053)]، فحث أصحابه على الإستعفاف وعلى الإستغناء بالله سبحانه وتعالى، روى الشيخان من حديث أنس بن مالك وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما قالا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيَانِ، وَلَنْ يَمْلَأَ فَاهُ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ» [البخاري رقم (6439) وهذا لفظه ومسلم رقم (2417)، وأحمد رقم (13476) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. والبخاري رقم (6436)، ومسلم رقم (2418)، وأحمد رقم (3501) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما]، فكثير من النفوس جُبلت على حب المال وهذا خُلقٌ خَلق اللهُ عليه الناس، يحبون المال، ولكن التقي من روضَّ نفسه على طاعة الله سبحانه وتعالى، والمصلح والفائز من جعل المال سبيلا لطاعة ربه سبحانه وتعالى، روى الإمام الترمذي رحمه الله من حديث أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ» [سنن الترمذي رقم (2417)] حديث حسن، فهذ الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: "لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ"، فليحرص المسلم على نفسه في كسب المال فلا يكتسب إلا من الطيبات، وليحرص على انفاقه في وجوه الخير وفيما شرعه الله سبحانه وتعالى، فيا أيها المسلم ينبغي عليك أن تكون في الذروة العليا ممن أراد الله لهم الخير، والناس أصناف منهم من اكتسب الحلال الطيب وانفقه في وجوه الخير وفيما اباحه الله وفيما أمره الله، ومنهم من اكتسب الحرام وانفقه في الحرام، ومنهم من اكتسب الحرام وانفقه في الحلال، أيها المسلم كن من الصنف الأول الذي يحرص على الكسب الطيب ممتثلا قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ } [سورة المؤمنون: (51)]، وممتثلا قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [سورة البقرة: (172)]، فليحرص المسلم على كسب خير يكتسبه مما أباحه الله سبحانه وتعالى، روى الإمام البخاري في صحيحيه من حديث أبي هريرة رضي اللهُ عنهُ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما بَعَثَ الله نبياً إلاَّ رَعَى الغَنَمَ". فقالَ أصحابُهُ: وأنتَ؟ فقال: "نَعَمْ، كُنْتُ أرعاها على قَراريطَ لأهلِ مكَّةَ" [البخاري برقم (2262)]، وفي البخاري [رقم (2073) من صحيحه] عن أبي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، كَانَ لاَ يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ»، وروى الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " كَانَ زَكَرِيَّا نَجَّارًا " [أخرجه مسلم رقم (2379) (169)، وأحمد رقم (7947)، وابن ماجه رقم (2150)]، وهكذا نبينا عليه الصلاة والسلام أشتغل في التجارة قبل البعثة وهكذا أبو بكر الصديق أشتغلَ في التجارة، وهكذا تاجر [أيها المسلم] واكتسب من الحلال الطيب تاجر أو ازرع ما يسره الله من الزرع، فقد قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ، أَوْ إِنْسَانٌ، أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ» [متفق عليه من حديث أنس رضي الله عنه؛ البخاري رقم (2320)، ومسلم رقم (1553)]، فهذه من وجوه الاكساب التي حث عليها نبينا عليه الصلاة والسلام، وقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَذْهَبَ إِلَى الْجَبَلِ، فَيَحْتَطِبَ، ثُمَّ يَأْتِيَ بِهِ يَحْمِلُهُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهُ فَيَأْكُلَ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ، وَلَأَنْ يَأْخُذَ تُرَابًا فَيَجْعَلَهُ فِي فِيهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ فِي فِيهِ مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ " [من حديث أبي هريرة رضي الله عنه كما في مسند أحمد رقم (7490) و قال المناوي في فيض القدير: مقصود الحديث الآمر بتحرِّي أكل الحلال ولو كان خبزا من شعير بغير إدام، وذكر التراب مبالغة، فإنه لا يؤكل، وأما أكل الحرام، فيظلم القلب، ويغضب الرب. أنتهى]، فليحرص المسلم على أن يكتسب الحلال الطيب حتى يصير مجاب الدعوة، ولا يكن همه اكتساب المال [لا يدري أهو ] من حلال أم من حرام، ربما أخذه من الربا وقد الله الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ } [البقرة: (178-279)]، وربما أخذ المال فر الرشوة وقد قال رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَعَنَ اللهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ" [أخرجه بهذا اللفظ عبد الرزاق في مصنفه من حديث شريح برقم (14668)، وأخرجه أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه برقم (9023) بلفظ : " لَعَنَ اللهُ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ فِي الْحُكْمِ " فهو من حديث شريح وأبي هريرة رضي الله عنهما، وزيادة "في الحكم" في حديث أبي هريرة فقط]، وربما أخذه بشهادة الزور، وقد قال رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ» قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: " الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ فَقَالَ: أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ " فَمَا زَالَ يَقُولُهَا، حَتَّى قُلْتُ: لاَ يَسْكُتُ. [متفق عليه من حديث أبي بكرة رضي الله عنه؛ البخاري رقم (5976) وهذا لفظه، ومسلم رقم (87)]، وربما أكتسبها أيضا من بعض المحرمات كتصاوير الأرواح أو بيع ما حرم الله من الخمور ولحم الخنزير أو كذلك الدخان وغير ذلك مما حرمه الله، اكساب محرمه لا ينتفع بها المسلم، بل يأكل الحرام والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ، إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ النَّارُ، أَوْلَى بِهِ" [جزء من حديث أخرجه أحمد في مسنده رقم (14441) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما]، فاحذر على نفسك من الاكساب المحرمة الخبيثة، واطب مكسبك يا عبد الله ولا تأخذ مالا إلا من الوجه الحلال، لا تأخذ مالا حرمه الله سبحانه وتعالى سواء كان كسبا محرما أو كان اعتداء على أموال المسلمين بظلم أو سرقة أو أكل مال اليتامى والضعفاء فكل ذلك مما حرمه الله تعالى، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} [سورة النساء: (29)]. ، {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً } [سورة النساء: (10)]، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث عائشة وابن عمر وسعيد بن زيد رضي الله عنهم قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّهِ، إِلَّا طَوَّقَهُ اللهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [في البخاري برقم (2454) وأحمد برقم (5740) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وفي مسلم برقم (1610) وأحمد برقم (1633) من حديث سعيد بن زيد بن عمرِو بنِ نُفيْل رضي الله عنه، وفي مسلم برقم (1611) وأحمد برقم (9582) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها متفق عليه عند البخاري رقم (2453)، ومسلم رقم (1612) ولفظه: «مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» ، وعند أحمد رقم (26224) بلفظ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ ظَلَمَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ ".]، فعلى المسلم أن يحرص على أخذ المال من الحلال وليحذر على نفسه من الاكساب المحرمة الخبيثة، وربما جرِّت الدناءة ببعض الناس إلى أن يكتسب بالمسألة والشحاتة ويسأل الناس أموالهم وقد قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ، حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ» [متفق عليه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما؛ البخاري رقم (1474) وهذا لفظه، ومسلم رقم (1040)]، وقال رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» [صحيح مسلم رقم (1041) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]، وقد بين العلماء أن المسألة لا تجوز لأحد حتى يصل إلى حد عظيم وإلى حالة شديدة لا يجد قوتا لعياله ولا يستطيع أن يتكسب، أما إذا كان عنده قوة وقدرة على الكسب فلا يحل له أن يسأل الناس شيئا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَنْ سَأَلَ مِنْ غَيْرِ فَقْرٍ، فَكَأَنَّمَا يَأْكُلُ الْجَمْرَ» [هو بهذا اللفظ عند أحمد برقم (17508) من حديث حُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ السَّلُولِيِّ، وهو في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين برقم (288) للإمام المجدد شيخ الإسلام مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى.]، فاحرص أيها المسلم على أن تكسب مالا حلالا ليس فيه شبهة، والحمد لله رب العالمين.
الخطبة الثانية
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
عباد الله المال لا يرفع صاحبه إلا بتقوى الله سبحانه وتعالى، المال ليس كرامة للإنسان، الكرامة بتقوى الله، وبإنفاق المال فيما يقربك عند الله سبحانه، فالأموال لا تقربك عند الله ولا ترفعك عنده سبحانه ولا تميزك عند ربك عن سائر الناس، إنما الذي يميزك والذي يرفعك عند ربك ويجعلك مكرما عند الله سبحانه هو التقوى والأعمال الصالحة وانفاق المال فيما أباحه الله وفيما حث الله عليه وأمر، هذا هو الذي ينتفع بالمال فالله يقول: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ } [سورة سبأ: (37)]، ويقول في كتابه الكريم: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ } [سورة الحاقة: (28-29)]، رجل من أهل النار أمر به إلى النار فعند ذلك يقول: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ} [سورة الحاقة: (28-31)]، ويقول الله سبحانه: {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى } [سورة الليل: (11)]، أي: إذا تردى في جهنم، ماذا أغنى عنه المال والعمارات والسيارات والأراضي الواسعات؟! ما أغنت عنه شيئا، {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى }، قال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ، قَالَ: «فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ » [صحيح البخاري رقم (6442) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهو من أفراد البخاري.]، فماذا قدمت أيها المسلم؟! على المسلم أن يكون محتسبا، ينفق أمواله فيما يقربه عند الله سبحانه، على المسلم إذا أنفق على أهله أو أولاده أن يحتسب الأجر والمثوبة عند الله سبحانه، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ، دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ» [في صحيح مسلم برقم (994) من حديث ثَوْبَانَ، قَالَ أَبُو قِلَابَةَ أحد رواة هذا الحديث: " وَبَدَأَ بِالْعِيَالِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: وَأَيُّ رَجُلٍ أَعْظَمُ أَجْرًا، مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالٍ صِغَارٍ، يُعِفُّهُمْ أَوْ يَنْفَعُهُمُ اللهُ بِهِ، وَيُغْنِيهِمْ "]، وقال النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» [البخاري رقم (1426) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]، هل أنفقت من مالك في سبيل الله؟ هل أوقفت من مالك في سبيل الله فيصير الأجر لك مستمرا لك بعد موتك فقد قال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ " [من حديث أبي هريرة في مسلم برقم (1631) وهو من أفراد مسلم.]، هل قدمت من أموالك صدقة جارية لله سبحانه وتعالى يستمر عليك نفعها يا عبد الله بعد الموت؟ تنصب عليك الحسنات من تلك الصدقة الجارية، هل أنفقت من أموالك في الجهاد في سبيل الله الذي قال فيه الله سبحانه: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [سورة التوبة: (111)]، وقال الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ} [سورة الصف: (10-11)]، وقال الله سبحانه: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً} [سورة النساء: (95)]، تنفق في الجهاد الصحيح؛ جهاد أعداء الإسلام، وجهاد الكافرين واليهودي والزنادقة، هل أعنت بأموالك طلبة العلم والعلماء الذين ينفع الله بهم البلاد والعباد ويربون الناس على الخير؟ فإن ذلك أيضا من الجهاد في سبيل الله [يقرر شيخنا محمد بن حزام حفظه الله ورعاه في أكثر من مجلس أن طلب العلم من الجهاد في سبيل الله بل من أعظم الجهاد في سبيل الله ويستدل على ذلك بحديث أنس عند النسائي برقم (2504) وغيره أن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "جاهِدوا المشركين بأَموالِكم وأَنفُسِكُم وأَلسنتِكم"، وببعض الآيات القرآنية مثل قول الله تعالى: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً } [سورة الفرقان: (52)]. أي وجاهد الكافرين بالقرآن.].
هل أنفقت على جارك فتكون ممن قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» [رواه الشيخان؛ البخاري رقم (6019) من حديث أبي شريح العدوي، ومسلم رقم (47) من حديث أبي هريرة.]، يا عبد الله أنفق من أموالك فيما ينفعك عند الله، {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ } [سورة غافر: (39)]، {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [سورة النحل: (96)]، فالمسلم يحرص على أن يكتسب من الحلال وينفقه فيما أباح الله، فلا إله إلا الله كم من أموال تنفق في المحرمات؟ وكم من أموال تنفق في سفك الدماء وفي الغش والخداع؟ وكم من أموال تذهب فيما حرم الله، روى الإمام البخاري في صحيحه عن خَوْلَةَ الأنصاريةِ رضيَ اللهُ عنها قالت: سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: "إنَّ رجالًا يَتَخَوَّضونَ في مالِ اللهِ بغيرِ حقٍّ، فلَهُمُ النارُ يومَ القيامَةِ" [انفرد به البخاري في صحيحه برقم (3118).]، يا عبد الله هذا المال أمانة في يدك أستودعكه الله، فلا تتصرف فيه إلا فيما أباحه الله، فلا تشتري به محرما ولا تضيع أموالك فيما نهاك الله، نهى النبي عن إضاعة المال، والمال بنفسه إذا اتخذه الإنسان للتقرب من الله والصدقة وفعل الخير فنعم صاحب المال هو!
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَإِنَّ هَذَا المَالَ حُلْوَةٌ، مَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ، وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ، فَنِعْمَ المَعُونَةُ هُوَ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ» [جزء من حديث طويل أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه؛ البخاري برقم (6427)، ومسلم برقم (1052).]، سبحانَكَ اللهُمَّ، وبحمدكَ، أشهدُ أن لا إله إلا أنت، أستغفرُك وأتوب إليك [انظر تخريج هذا الحديث: "سبحانك اللهم وبحمدك... الخ" في مسند أحمد عند رقم (15729) من طبعة الرسالة، فقد جاء عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم جميعا حسب التخريج المشار إليه وهم باختصار:
السائب بن يزيد عند أحمد.
وعن أبي هريرة عند أحمد أيضا برقم (10415).
وعن أبي برزة الأسلمي عند ابن أبي شيبة 10/256، وأبي داود (4859) ، والحاكم 1/537، وسيرد 4/420 و425.
وعن عائشة عند النسائي 3/71، والحاكم 1/496-497.
وعن عبد الله بن عمرو عند أبي داود (4857) ، وصححه ابن حبان (593) .
وعن أنس عند البزار (3123) ، والطبراني في "الدعاء" (1916) ، وفي "الأوسط" (5910) ، وقال: لا يروى هذا الحديث عن أنس إلا بهذا الإسناد، تفرد به عثمان بن مطر. وقال الهيثمي في "المجمع" 10/141: رواه البزار والطبراني في "الأوسط"، وفيه عثمان بن مطر، وهو ضعيف.
وعن رافع بن خديج عند النسائي في "عمل اليوم والليلة" (427) ، والطبراني في "الكبير" (4445) ، وفي "الأوسط" (4464) ، وفي "الصغير" (620) ، والحاكم 1/537. وقال في "المجمع" 1/141: رواه الطبراني في الثلاثة، ورجاله ثقات.
وعن ابن مسعود عند الطبراني في "الكبير" (10333) ، وفي "الأوسط" (1249) . وقال الهيثمي في "المجمع" 10/141: رواه الطبراني في "الأوسط" و"الكبير"، وفيه عطاء بن السائب، وقد اختلط.
وعن الزبير بن العوام عند الطبراني في "الصغير" (970) ، وفي "الأوسط" (6912) ، وقال الهيثمي في "المجمع" 10/141: رواه الطبراني في "الصغير" و"الأوسط"، وفيه من لم أعرفه.
وعن جبير بن مطعم عند النسائي 3/71-72، والطبراني في "الكبير" (1586) ، والحاكم 1/537، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في "المجمع" 10/142: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.].
فرغ هذه المادة واعتنى بها ونقلها لكم:
قايد بن غانم الشابرة
من طلاب الشيخ وفقه الله
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
عباد الله المال لا يرفع صاحبه إلا بتقوى الله سبحانه وتعالى، المال ليس كرامة للإنسان، الكرامة بتقوى الله، وبإنفاق المال فيما يقربك عند الله سبحانه، فالأموال لا تقربك عند الله ولا ترفعك عنده سبحانه ولا تميزك عند ربك عن سائر الناس، إنما الذي يميزك والذي يرفعك عند ربك ويجعلك مكرما عند الله سبحانه هو التقوى والأعمال الصالحة وانفاق المال فيما أباحه الله وفيما حث الله عليه وأمر، هذا هو الذي ينتفع بالمال فالله يقول: {وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاء الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ } [سورة سبأ: (37)]، ويقول في كتابه الكريم: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ } [سورة الحاقة: (28-29)]، رجل من أهل النار أمر به إلى النار فعند ذلك يقول: {مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ} [سورة الحاقة: (28-31)]، ويقول الله سبحانه: {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى } [سورة الليل: (11)]، أي: إذا تردى في جهنم، ماذا أغنى عنه المال والعمارات والسيارات والأراضي الواسعات؟! ما أغنت عنه شيئا، {وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى }، قال النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَيُّكُمْ مَالُ وَارِثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ، قَالَ: «فَإِنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ، وَمَالُ وَارِثِهِ مَا أَخَّرَ » [صحيح البخاري رقم (6442) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وهو من أفراد البخاري.]، فماذا قدمت أيها المسلم؟! على المسلم أن يكون محتسبا، ينفق أمواله فيما يقربه عند الله سبحانه، على المسلم إذا أنفق على أهله أو أولاده أن يحتسب الأجر والمثوبة عند الله سبحانه، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ، دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ» [في صحيح مسلم برقم (994) من حديث ثَوْبَانَ، قَالَ أَبُو قِلَابَةَ أحد رواة هذا الحديث: " وَبَدَأَ بِالْعِيَالِ، ثُمَّ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: وَأَيُّ رَجُلٍ أَعْظَمُ أَجْرًا، مِنْ رَجُلٍ يُنْفِقُ عَلَى عِيَالٍ صِغَارٍ، يُعِفُّهُمْ أَوْ يَنْفَعُهُمُ اللهُ بِهِ، وَيُغْنِيهِمْ "]، وقال النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ» [البخاري رقم (1426) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه]، هل أنفقت من مالك في سبيل الله؟ هل أوقفت من مالك في سبيل الله فيصير الأجر لك مستمرا لك بعد موتك فقد قال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ " [من حديث أبي هريرة في مسلم برقم (1631) وهو من أفراد مسلم.]، هل قدمت من أموالك صدقة جارية لله سبحانه وتعالى يستمر عليك نفعها يا عبد الله بعد الموت؟ تنصب عليك الحسنات من تلك الصدقة الجارية، هل أنفقت من أموالك في الجهاد في سبيل الله الذي قال فيه الله سبحانه: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [سورة التوبة: (111)]، وقال الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ} [سورة الصف: (10-11)]، وقال الله سبحانه: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً} [سورة النساء: (95)]، تنفق في الجهاد الصحيح؛ جهاد أعداء الإسلام، وجهاد الكافرين واليهودي والزنادقة، هل أعنت بأموالك طلبة العلم والعلماء الذين ينفع الله بهم البلاد والعباد ويربون الناس على الخير؟ فإن ذلك أيضا من الجهاد في سبيل الله [يقرر شيخنا محمد بن حزام حفظه الله ورعاه في أكثر من مجلس أن طلب العلم من الجهاد في سبيل الله بل من أعظم الجهاد في سبيل الله ويستدل على ذلك بحديث أنس عند النسائي برقم (2504) وغيره أن النبي -صلَّى الله عليه وسلم- قال: "جاهِدوا المشركين بأَموالِكم وأَنفُسِكُم وأَلسنتِكم"، وببعض الآيات القرآنية مثل قول الله تعالى: {فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً } [سورة الفرقان: (52)]. أي وجاهد الكافرين بالقرآن.].
هل أنفقت على جارك فتكون ممن قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» [رواه الشيخان؛ البخاري رقم (6019) من حديث أبي شريح العدوي، ومسلم رقم (47) من حديث أبي هريرة.]، يا عبد الله أنفق من أموالك فيما ينفعك عند الله، {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ } [سورة غافر: (39)]، {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [سورة النحل: (96)]، فالمسلم يحرص على أن يكتسب من الحلال وينفقه فيما أباح الله، فلا إله إلا الله كم من أموال تنفق في المحرمات؟ وكم من أموال تنفق في سفك الدماء وفي الغش والخداع؟ وكم من أموال تذهب فيما حرم الله، روى الإمام البخاري في صحيحه عن خَوْلَةَ الأنصاريةِ رضيَ اللهُ عنها قالت: سَمِعْتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: "إنَّ رجالًا يَتَخَوَّضونَ في مالِ اللهِ بغيرِ حقٍّ، فلَهُمُ النارُ يومَ القيامَةِ" [انفرد به البخاري في صحيحه برقم (3118).]، يا عبد الله هذا المال أمانة في يدك أستودعكه الله، فلا تتصرف فيه إلا فيما أباحه الله، فلا تشتري به محرما ولا تضيع أموالك فيما نهاك الله، نهى النبي عن إضاعة المال، والمال بنفسه إذا اتخذه الإنسان للتقرب من الله والصدقة وفعل الخير فنعم صاحب المال هو!
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَإِنَّ هَذَا المَالَ حُلْوَةٌ، مَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ، وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ، فَنِعْمَ المَعُونَةُ هُوَ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلاَ يَشْبَعُ» [جزء من حديث طويل أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه؛ البخاري برقم (6427)، ومسلم برقم (1052).]، سبحانَكَ اللهُمَّ، وبحمدكَ، أشهدُ أن لا إله إلا أنت، أستغفرُك وأتوب إليك [انظر تخريج هذا الحديث: "سبحانك اللهم وبحمدك... الخ" في مسند أحمد عند رقم (15729) من طبعة الرسالة، فقد جاء عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم جميعا حسب التخريج المشار إليه وهم باختصار:
السائب بن يزيد عند أحمد.
وعن أبي هريرة عند أحمد أيضا برقم (10415).
وعن أبي برزة الأسلمي عند ابن أبي شيبة 10/256، وأبي داود (4859) ، والحاكم 1/537، وسيرد 4/420 و425.
وعن عائشة عند النسائي 3/71، والحاكم 1/496-497.
وعن عبد الله بن عمرو عند أبي داود (4857) ، وصححه ابن حبان (593) .
وعن أنس عند البزار (3123) ، والطبراني في "الدعاء" (1916) ، وفي "الأوسط" (5910) ، وقال: لا يروى هذا الحديث عن أنس إلا بهذا الإسناد، تفرد به عثمان بن مطر. وقال الهيثمي في "المجمع" 10/141: رواه البزار والطبراني في "الأوسط"، وفيه عثمان بن مطر، وهو ضعيف.
وعن رافع بن خديج عند النسائي في "عمل اليوم والليلة" (427) ، والطبراني في "الكبير" (4445) ، وفي "الأوسط" (4464) ، وفي "الصغير" (620) ، والحاكم 1/537. وقال في "المجمع" 1/141: رواه الطبراني في الثلاثة، ورجاله ثقات.
وعن ابن مسعود عند الطبراني في "الكبير" (10333) ، وفي "الأوسط" (1249) . وقال الهيثمي في "المجمع" 10/141: رواه الطبراني في "الأوسط" و"الكبير"، وفيه عطاء بن السائب، وقد اختلط.
وعن الزبير بن العوام عند الطبراني في "الصغير" (970) ، وفي "الأوسط" (6912) ، وقال الهيثمي في "المجمع" 10/141: رواه الطبراني في "الصغير" و"الأوسط"، وفيه من لم أعرفه.
وعن جبير بن مطعم عند النسائي 3/71-72، والطبراني في "الكبير" (1586) ، والحاكم 1/537، وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في "المجمع" 10/142: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.].
فرغ هذه المادة واعتنى بها ونقلها لكم:
قايد بن غانم الشابرة
من طلاب الشيخ وفقه الله