📝 هل الجن تخاف من الماء البارد
أولاً : المقدمة
هذه دراسة سريعة للموضوع حرصت فيها للوصول للصواب وبغية الثواب فأقول :
ثانياً : مدخل الدراسة :
اشتهر عند الكثير من المعالجين بالرقية بأن الجن تخاف من الماء البارد !! وهذا حكم غيبي أولاً ظني ثانياً ومع ذلك فهناك قرائن تؤكده وقرائن تنفيه وإليكها بشكل حوار بين مثبت ونافي وكلا القولين أفترضها بنفسي من مخيلتي للمسألة :
1⃣ـ الدليل الأول :
أن مادة الجن النار والنار لاتتقارب مع الماء
الرد : النار لاتتقارب مع الماء حاره وبارده ومعتدله وليس البارد فقط فلماذا خصصتم البارد دون غيره
2⃣ـ الدليل الثاني :
أن النار حارة والبارد ضدها ولهذا فالجن بطبعها الحار تخاف من الماء البارد بشكل خاص
الرد : أمسك النبي صلى الله عليه وسلم بالجان وهو يصلي وقال : ( إني لأجد برد لعابه على يدي ) فطبع الحرارة فيه معنوي وطبع البرودة في الماء حسي فلايلزم التأثير بدلالة برودة لعابه
3⃣ـ الدليل الثالث :
أنه قد ثبت ذلك عندنا بالتجربة
الرد : لا نعلم دليلا لكم سوى التجربة ولايخفاكم مبالغة الكثير بطرح تجاربه والتجارب المعتبرة هي ما تواطأت عليها أخبار المجربين وهذا منتف في هذه المسألة فالمجربين هنا اختلفوا مابين مؤيد ومنكر !!
4⃣ـ الدليل الرابع :
أصيب نبي الله أيوب بمرض نسبه القرآن للشيطان وكان علاجه بالماء البارد بدلالة قوله تعالى :
{ واذكر عبدنا أيوب إذ نادي ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب * اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب }
الرد : من وجوه :
☑ـ أن بعض العلماء قد قالوا : إن نسبة المرض للشيطان نسبة تنزيه لله تعالى وليست دلالة أنها مس حقيقي
☑ـ أننا لو فرضنا أن النسبة للشيطان حقيقية لكانت دلالة أنه تسبب له بمرض لا أنه سكن بجسده لأن مرضه كان عضويا تتبعه الدود ولم يأت نص يقول بخروج مس منه
☑ـ أن هذا من من باب مناسبة الدواء للداء ونحن لانعلم ماهو داء أيوب بالضبط كي نصف نفس الدواء لنفس المرض وتعميم التداوي بنفس العلاج لأي مرض ليس مقصدا في الآية لا شرعيا ولا طبيا
☑ـ أن هذه خاصية لنبي الله أيوب كقوله تعالى تعالى : { فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا } ولو ضربنا بعصينا الأحجار ماحصل لنا مثل ماحصل لموسى وهكذا غسلنا واغتسلنا بالماء البارد فلم يحصل لنا ماحصل لأيوب فدل على أنها معجزة لنبي لاينالها غيره
ويؤكد ذلك دليلين اثنين :
1ـ الأول : أن الشياطين تغوص في البحر كما في قوله تعالى : { والشياطين كل بناء وغواص } وماء البحر باردا لاسبما أسفله وهو مكان الغوص
2ـ الثاني : أن الشيطان شارك في غزوة بدر مع الكفار وعندما نزل المطر لم يهرب والأصل في ماء المطر هو البرودة ولهذا يصاب بالبرد من يصيبه المطر
فهذه أربعة أوجه تبطل الاستدلال بالآية على نحو قولكم وإن تخلصتم من احتمال دخلتم في الثاني مالم تتخلصوا منها جميعاً
ثالثاً : التحقيق والنتيجة :
بعد النظر في الحوار السابق نجد أن غلبة الكفة تنصر أصحاب القول بالنفي وذلك من ناحيتين :
1ـ الأولى : تأويل النصوص بربط منطوقها بمفهومها والخلاص لنفي صحة المعلومة
2ـ الثاني : قولهم : إن الواقع أثبت عدم تماتل الكثير من المرضى للشفاء بعد اغتسالهم بالماء البارد مرات وكرات
☑ الراجح :
حقيقة قد يظنني ظان أني أميل كل الميل للقول بالنفي وكيف لا يقول ذلك وأنا من صنعت الافتراضات للقائلين بالاثبات وأنا من رددتها ومع ذلك فأنا أخلص للتالي :
1ـ ليس صحيحا تعميم خوف الجن من الماء البارد فقد يصادف الراقي أحيانا جنا يخافون من الماء البارد فلايلزم أن كلهم يخافون من ذلك كالانس تماما
2ـ ظهور الشيطان في المطر في غزوة بدر وغوص الشياطين في البحر لخدمة سليمان ليس دليلا كافيا على أن الجن لاتخاف من الماء البارد فقد يكون هناك فرق بين الجني داخل الجسد والجني خارج الجسد ودليل ذلك أني لو أخذت العصا وضربت الهواء فصادفت جنيا لم تقع عليه بينما لو ضربته وهو في الجسد لوقعت عليه !!
وأيضا كما أنه ليس كل انسي يقدر على الغوص أويتحمل البقاء تحت المطر فنقول : كذلك في الجن ففيهم العالم والجاهل وفيهم القادر على الشي والعاجز عنه فقدرة البعض على شي لاتدل على قدرة الكل فتنبه !!
3ـ أن عنصر الماء هو التعارض مع عنصر النار ، والأصل في الطبع البارد هو التعارض مع الطبع الحار والجان أصله النار فلامانع في القياس الطبي معالجته بالماء البارد فهو علاج قد ينفع وقد لاينفع فلا عيب في تجربته والاستفادة منه فقد يشفي الله به كونه سببا مباحا والحمدلله .
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
كتبه أخوكم
أبو العباس أنور الرفاعي
11 ـ 4 ـ 1438 هـ