السر في تخصيص
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في يوم
[ الجمعة ]
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن أوس بن أوس رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي ] . قال : قالوا : يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت يقولون بليت ؟ فقال : [ إن الله عز وجل حرم على الأرض أجساد الأنبياء ]
أخرجه أبو داود ( 1049 ) وابن ماجة ( 1085 ) والنسائي ( 1666 ) وأحمد ( 16162 ) وصححه العلامة الألباني في الارواء ( 1 / 34 ) وصححه بشواهده شيخنا العلامة الحجوري في أحكام الجمعة
المسألة الأولى : هل صلاتنا لاتعرض عليه إلا في يوم الجمعة
جاء عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : [ لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبرى عيدا وصلوا على فإن صلاتكم تبلغنى حيث كنتم ]
أخرجه أبوداود ( 2044 ) وأحمد ( 8804 ) وقال العلامة الألباني في صحيح أبي داود ( 6 / 282 ) : قلت : إسناده صحيح ، وكذا قال الحافظ ، وحسنه ابن القيم اهـ ، وحسنه الألباني نفسه في أحكام الجنائز ( 1 / 219 )
قلت : وظاهر هذا الحديث أنه لاخصوصية للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة وأنها تبلغه دائما ولهذا اختلفوا في المعنى على أقوال :
- منها قول الملا القاري في مرقاة المفاتيح ( 5 / 30 ) : ( فإن صلاتكم معروضة عليّ ) يعني على وجه القبول فيه وإلا فهي دائماً تعرض عليه بواسطة الملائكة اهـ
- ومنها قول السندي في حاشيته على سنن ابن ماجة ( 2 / 427 ) : هذا تعليل للتفريع أي هي معروضة عليّ كعرض الهدايا على من أهديت إليه ، فهي من الأعمال الفاضلة ومقربة لكم إليّ ، كما يقرب الهدية المهدي إليه ، وإذا كانت بهذه المثابة ، فينبغي إكثار باقي الأوقات الفاضلة ، فإن العمل الصالح يزيد فضلاً بواسطة فضل الوقت ، وعلى هذا لا حاجة إلى تقييد العرض بيوم الجمعة اهـ
قلت : يعني أنها تعرض عليه دائما ولكن عرضها في الأيام الفاضلة ( الجمعة ) يختلف فهي تعرض كالهدايا
- ومنها قول العلامة الشوكاني اليماني في تحفة الذاكرين ( 1 / 46 ) : وظاهر الجميع أن كل صلاة وسلام تبلغه صلى الله عليه وسلم وسواء كان ذلك في يوم الجمعة أو في غيره من الأيام أو الليالي فلعل في العرض عليه زيادة على مجرد الإبلاغ إليه ويكون ذلك من خصائص الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة اهـ
قلت : وذلك أن كلمة ( صلاتكم تبلغني ) جاءت في الصلاة في أي زمان ومكان ، وكلمة ( صلاتكم معروضة علي ) جاءت من خصوصيات الجمعة وبناء على ذلك فرق العلامة الشوكاني بين اللفظين وجعل العرض زيادة على مجرد الإبلاغ وهذا جمع دقيق أبقى للصلاة عليه في يوم الجمعة خصوصيته
المسألة الثانية : هل النبي صلى الله عليه وسلم يسمع الصلاة والسلام عليه ؟
قطعاً أنه لايسمع ذلك والذي عبرت عنه النصوص هو ( تبلغه ) و ( تعرض عليه ) وهذه الألفاظ لاتدل على أنه يسمعها
1- قال شيخ الإسلام في الرد على الأخنائي ( 1 / 133 ) :
فهذه الأحاديث المعروفة عند أهل العلم التي جاءت من وجوه حسان يصدق بعضها بعضا وهي متفقة على انه من صلى عليه وسلم عليه من أمته فان ذلك يبلغه ويعرض عليه وليس في شيء منها أنه يسمع صوت المصلي والمسلم بنفسه إنما فيها من ذلك يعرض عليه ويبلغه صلى الله عليه وسلم في مدينته ومسجده أو مكان آخر فعلم أن ما أمر الله به من ذلك فانه يبلغه وأما من سلم عليه عند قبره فانه يرد عليه ذلك كالسلام على سائر المؤمنين اهـ
وقال أيضا ( 1 / 133 ) :
نائيا ليس فيه أنه يسمع ذلك كما وجدته منقولا عن هذا المعترض فان هذا لم يقله أحد من أهل العلم ولا يعرف في شيء من الحديث وإنما يقوله بعض المتأخرين الجهال يقولون إنه ليلة الجمعة ويوم الجمعة يسمع باذنيه صلاة من يصلي عليه فالقول إنه يسمع ذلك من نفس المصلي باطل وإنما في الأحاديث المعروفة أنه يبلغ ذلك ويعرض عليه وكذلك السلام تبلغه إياه الملائكة وقول القائل إنه يسمع الصلاة من البعيد ممتنع فإنه إن أراد وصول صوت المصلي إليه فهذه مكابرة وإن أراد أنه هو يكون بحيث يسمع أصوات الخلائق من بعيد فليس هذا إلا لله رب العالمين الذي يسمع أصوات العباد كلهم اهـ
2- قال ابن عبد الْهَادي فِي الصارم الْمُنكي (ص160-161) :
وحديث : ( فإن صلاتكم تبلغنِي ) قال فيه : إنه يبلَّغ صلاة من صلى عليه ، وليس فيه أنه يسمع ذلك ؛ فإن هذا لَمْ يقله أحد من أهل العلم ولا يعرف فِي شيء من الْحَديث ، إنمَا يقوله بعض الْجُهال ؛ يقولون : إنه يوم الْجُمعة وليلة الْجُمعة يسمع بأذنيه صلاة من صلَّى عليه ؛ فالقول بأنه يسمع ذلك من الْمُصلي باطل وإنما فِي الأحاديث الْمَعروفة أنه يُبلَّغ ذلك ويعرض عليه ، وكذلك السلام تبلغه إياه الْمَلائكة اهـ
3- قال العلامة الألباني رحمه الله في تحذير الساجد ( صـ / 117 ) :
قوله " تبلغني " هذا الحديث وغيره مما تقدم صريح في أنه عليه الصلاة و السلام لا يسمع صلاة المصلين عليه فمن زعم أن النبي صلى الله عليه و سلم يسمعها فقد كذب عليه فكيف حال من يزعم أنه صلى الله عليه و سلم يسمع غيرها ؟ اهـ
وقال أيضا في الضعيفة ( 1 / 369 ) :
فإنه صريح في أن هذه الصلاة يوم الجمعة تبلغه ولا يسمعها من المصلي عليه صلى الله عليه وسلم اهـ
4- قال العلامة ابن عثيمين في شرح رياض الصالحين ( 1 / 1607 ) :
وكذلك الحديث الثاني أنه ما من رجل مسلم يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام ، فإذا سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم رد الله عليه روحه فرد عليك السلام والظاهر أن هذا فيمن كان قريبا منه كأن يقف على قبره ويقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ويحتمل أن يكون عاما والله على كل شيء قدير اهـ
قلت : والحديث الذي أورده العلامة ابن عثيمين أخرجه أبو داود ( 2043 ) وأحمد ( 10815 ) والبيهقي ( 10050 ) وهو حديث حسن عند أهل العلم وظاهره يتعارض مع اعتراض شيخ الإسلام وابن عبدالهادي والالباني ، ولكن الظاهر هو تأويل الحديث وتخصيصه بالقريب من القبر
قال العلامة عبيد الله بن محمد خان المباركفوي في مرعاة المفاتيح ( 3 / 263 ) : ظاهره الإطلاق الشامل لكل مكان وزمان ، فيكون فيه دليل على حصول فضيلة رد السلام لكل مسلم قريباً كان أو بعيداً ، وعلى أنه صلى الله عليه وسلم يرد السلام على من يسلم عليه من جميع الآفاق من جميع أمته على بُعد شقته ، لكن فهم عامة العلماء منه أن المراد السلام عليه عند قبره ، فيدل على تخصيص رد السلام بالقريب من القبر اهـ
أقول : الحديث خص السلام ، والسلام على الميت يكون عند القبر وفرق بين قولنا : ( السلام عليك يارسول الله ) ونحن عند القبر وبين قولنا : ( اللهم صل وسلم على نبينا محمد ) ونحن في أماكننا في يوم الجمعة وغيرها والمسألة فيها خلاف وذهب الشوكاني رحمه الله في النيل ( 5 / 156 ) أنه ( ليس في الحديث ما يدل على اعتبار كون المسلّم عليه على قبره ، بل ظاهره أعم من ذلك ) وهو قول قوي والعمل حتى الساعة على قول عامة العلماء ومنهم شيخ الإسلام والألباني وغيرهم ؛ للتفريق السابق إلا أن يظهر لنا في المسألة مزيد علم يزيدنا ثباتا فيها أو رجوعا عنها .. والله أعلم
كتبه أخوكم
أبو العباس أنور الرفاعي
17 ـ رجب ـ 1438 هـ